لهذا أعتذر عن تجربة نصف قرن في الصحافة

  • السبت 2022-06-18 - الساعة 14:22
بقلم: حافظ البرغوثي


منذ نشري مقالة بعنوان "أعتذر عن زيارة الكويت"، طلب الكثيرون من العبد الفقير لله، كتابة تجربتي في الصحافة، التي قاربت نصف قرن، فأعتذرت أيضا لأن التجربة قاسية لا نعيم فيها، فلم أنل فيها لا حمدا ولا شكورا، لا هنا ولا في الخارج؛ بسبب العقل العنيد والقلم الصريح لدى العبد الفقير لله، ولا تفيد التجربة القاريء العادي، بل ربما تفيد الجيل الصحفي الجديد، وقد تثير جدلا وتكشف الكثير من موبقات الصحافة والصحفيين، وتخلق ألف عدو تجدهم الآن محترمين وهم غير ذلك. 
فعالم الصحف يعج بالمؤامرات والكيد، ويكون القلم النظيف موضع قذف وتآمر من زملاء أعدقاء أو من مخابرات والرقابات العربية للصحف أو ما كنت أسميه معهد تحسين الخطوط العربية، ليس في الخارج بل وهنا، خاصة عندما عملت في تأسيس الحياة الجديدة، حيث تكاثر المتآمرون والكذابون وباعة الضمير.
هناك المرتزق والعميل والكذاب والمندس والجاسوس، وهناك الشريف المضطهد والمهني الممتاز الخ. وهناك مصالح كبرى وشركات وأجهزة مخابرات لا داعي للخوض فيها، وهناك نجوم صحافة لا يكتبون وكاتبات يرقصن على الورق على ايقاع كأس العرق، أي يكتب لهم ولهن الخ.  فلا داعي لنبش  المستنقع، وكما سيلاحظ القاريء في النبذة التالية من التجربة كيف أنني اضطررت لذكر أسماء وحجبت أخرى ومواقف تكشف مثالب البعض. ومن يعلم كثيرا تجده مهموما والأفضل أنه لو لم يكن يعلم. لكن أحد الزملاء ألحّ علي في تفسير سبب اختلافي مع القبس وتركي العمل فيها وانشغالي في فتح مكتب اعلان ومطبوعات. فقلت: عندما عدت إلى القبس أضفت لمسات جديدة عليها؛ منها استقطاب الكتاب الذين كنت اعتني بهم في الوطن مثل صلاح الساير وعبد الرحمن النجار والدكتورة سعاد الصباح والدكتور أحمد الربعي والدكتور عبد الله النفيسي وغيرهم، فهؤلاء انتقلوا بأقلامهم إلى القبس بسببي. وصارت القبس تقرأ من الصفحة الأخيرة وليس الأولى بوجود كاريكاتير ناجي العلي وهذه الأقلام، أما زاويتي فقد قلصتها وكانت قصيرة مختزلة بعنوان عصر الإنحطاط وبتوقيع عمر الغساني. أما لماذا اخترعت إسما مستعارا فهو لأنني بعد عودتي للقبس من الدستور الأردنية بعد إبعادي الأول اقترح رئيس التحرير محمد جاسم الصقر، وهو مناضل قديم في شبابه، تدرب في قواعد الجبهة الشعبية أثناء دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت، أن اكتب زاوية دون إسمي حتى تتوقف ملاحقتي أمنيا، فصرت أكتب باسم عمر الغساني وعمر هو إسم والدي رحمه الله، وكنت أحب الإسم منذ الصغر لتعلقي بشخصية عمر بن الخطاب أيضا، وأثره في الدين الإسلامي والفتوحات، ولهذا يكثر اسم عمر في أقاربي، فابن عمي عمر في البرازيل، وابن أخي الأكبر عمر، وإبني الأصغر عمر، وابن ابن خالي عمر، وابن خالي عمر، وربما هناك عمريون آخرون.
 وبعد أن بدأت بالنشر بالاسم المستعار المنتسب لدير غسانة، فاجأني الصقر ذات مساء بالقول إنه كان في ديوانية عميد آل الصقر، وهو عمه رجل الأعمال الحكيم  المسن المشهور  ورئيس غرفة التجارة عبد العزيز الصقر، وفجأة أشار إليه أن يقترب منه، فاقترب وقال له من هو عمر الغساني!، فلم يجب، بل قال كاتب عندنا، فرد عمه أظنه حافظ البرغوثي، فله الأسلوب نفسه في الوطن، واستغرب الصقر الصغير فراسة الصقر الكبير.  ولعل الصقر الكبير الذي خلفه الصقر الصغير في رئاسة غرفة التجارة والصناعة الكويتية حاليا هو أول من قام بحملة تبرعات لحركة فتح الكويت من منطلقاته القومية وجمع أكثر من مبلغا كبيرا  في حينه. 
عموما ساهمت  في اعادة انعاش الصحيفة بعد تراجعها وانتعشت فعلا، لكن كانت هناك مؤامرات من بعض ذوي الانتماء الطائفي من الزملاء  القدامى من اللبنانيين، فلربما كنت غير اللبناني الوحيد الذي تسلم منصبا فيها لهذا كان البعض يحاربني. والمصيبة أنهم استخدموا فلسطينيين من  لبنان وسوريا لمحاربتي، وأطلقت على أحدهم لقب مبولة متنقلة، لأنه كان يتميز بنقل النميمة ويتلصص على مكتبي فذات يوم شتمت بحضور بعض الزملاء في مكتبي زيارة مقررة لنقيب المحررين اللبنانيين ملحم كرم لمقر القبس، وكان المبولة مارا فانصت لكلامي، وقلت إن هذا العاهر يجب أن يشنق لا أن يستقبل، لأنه نشر مانشيتا في صحيفته البيرق بالخط العريض أثناء التدخل الأميركي في لبنان، جاء فيه  "شهيدان من المارينز"، وبعد ساعات استدعاني الصقر، وقال هل تريد الكتابة عن ملحم إنه ضيف زائر، فقلت لا بل كنت أعبر عن رأيي فيه، فقد نقل المبولة المتنقلة كلامي إلى رئيس التحرير فورا، معتبرا انني سأكتب عن ملحم  وكثيرا ما كان الصقر يطلب رأيي في امر ما فأخالفه فيغضب ثم يكتشف  انني على حق حتى قال ذات يوم لي   هل  تعرف إن صراحتك تعورني فقلت هناك منافقون كثر من حولنا فاستشرهم. ولم اكترث بهم مع أنني لم أوافق بطلب من رئيس التحرير على اصدار قرار  بالإستغناء عن بعضهم لضعف في أدائهم وكنت أجيبه أنت وقع القرار وليس أنا، فلا أطيق قطع رزق أحد  في الغربة مهما كان. 
ولكن عندما كنت أرى أفكاري تنفذ  منسوبة إلى مجلس التحرير وليست منسوبة إلي كنت أغضب. ففي كل يوم كان هناك جلسة لمجلس التحرير، حيث يتم طرح اقتراحات للتنفيذ وفي النهاية يتم الإتفاق على ما اقترحه ويتم اتخاذ قرار به بالقول قرر مجلس التحرير كذا. وذات يوم اقترحت مانشيتا عند توقيع الرئيس اللبناني معوض اتفاق سلام مع اسرائيل، فاقترحت ان نضع اطارا فارغا ونكتب من التالي مع بعد صورة السادات ومعوض وهكذا كان. وما آلمني أن يدعي أحدهم أنه صاحب الفكرة  فلم احتج،  وفي اليوم التالي تمت دعوتي لاجتماع مجلس التحرير، وكان حول طاولة في وسط قاعة التحرير، لأن القاعة والغرف المشرفة كانت تحت اعادة الديكور، فرفضت الذهاب لكنهم أبلغوا رئيس التحرير فناداني إلى  مكتبه وطلب  مني الالتحاق بالاجتماع فتوجهت إلى الطاولة وهم جلوسا، فتوقفت وانزلت سحاب بنطلوني وقلت غاضبا اجتمعوا مع هذا وانصرفت. فقد تذكرت سرقة أخرى لأفكاري ونسبها لآخرين في الوطن، فعند توقيع اتفاق كامب ديفيد بدأت أفكر في تغيير شكل الصفحة الأولى للوطن ليتناسب مع الحدث الخطير، وخطر ببالي أن نصدر بمانشيت باللغة العبرية فاستعنت بمترجم مصري كان يترجم العبرية، وطلبت منه أن يقص من صحيفة عبرية حروفا لتشكيل عبارة  شالوم السادات أي أن السلم لاسرائيل وليس لنا، وهذا ما كان وبعد ذلك وصلنا كاريكاتير من ناجي العلي من بيروت فيه يد توقع وهي يد السادت ويد ترفع علامة النصر هي يد كارتر ويد تعمل اشارة بعبوص بالإصبع الأوسط  وهي يد بيغن، وكانت الصفحة بالسواد. 
فوجئت برئيس التحرير في اليوم التالي يقول إن اعداد الجريدة نفذت خلال ساعتين بسبب الصفحة الأولى، وشكر زميلي في العمل على الفكرة، فحملقت في الزميل بغضب، فاستدرك  وقال ولكن حافظ ساهم في الفكرة، فهززت رأسي، ساهم وضحكت فالفكرة مني أساسا. ولهذا استخففت باجتماع التحرير في القبس. 
وللحديث بقية حول يوم التحدي مع ناجي العلي في الرسم والكتابة عن حصار المخيمات. (1)

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز