نتنياهــو لـم يـعـد للحكـم بـعـد

  • الجمعة 2022-06-24 - الساعة 10:57
بقلم: رجب أبو سرية

رغم أن انهيار حكومة إسرائيل البديلة، والتي لم تكن تستند عند تشكيلها قبل عام، لأكثر من الأغلبية البسيطة، يعني نجاح المعارضة في مسعاها الذي سعت إليه منذ اللحظة الأولى لمغادرة رئيسها بنيامين نتنياهو مقعد رئيس الحكومة بعد 12 عاماً متواصلة أمضاها في ذلك المقعد، والذي كان قد توعد يوم تشكيل حكومة نفتالي بينيت_يائير لابيد، بأنه سيسقطها خلال أيام أو أسابيع، إلا أن ذلك يعني نصف الطريق الى الحكم، وإذا كان يمكن للأحزاب الإسرائيلية تجنب الذهاب الى انتخابات برلمانية خامسة في غضون ثلاث سنوات ونصف، أي خلال مدة هي بالكاد تصل الى ولاية الكنيست الطبيعية في انتخابات واحدة، وذلك لو أن فقدان الائتلاف الحكومي للأغلبية يعني تلقائياً تحول الأغلبية للمعارضة، اي لو أمكن لنتنياهو ان ينجح في تشكيل حكومة، لكن حيث ان ذلك ليس هو واقع الأمر، كما أنه من المستبعد جداً، أن تحدث خلال بضعة ايام اتفاقات حزبية مضمونها انضمام حزب أو اكثر من احزاب الائتلاف او نوابه للمعارضة، لذا فان اسرائيل ذاهبة لانتخابات هي الخامسة منذ العام 2019.  

سبب آخر يجعل من نتنياهو لا يفكر في محاولة تشكيل حكومة برئاسته تستند للكنيست الحالي، وهو استطلاعات الرأي التي تمنح الليكود تفوقاً على الأحزاب الأخرى، بما يعني بأنه سيتم تكليفه بتشكيل الحكومة بعد اجراء الانتخابات القادمة، لكن استطلاعات الرأي نفسها لا تمنح الليكود وحلفاءه الحاليين، أي حزب الصهيونية الدينية وكلاً من «شاس» ويهودوت هتواره، أغلبية النصف+1 السحرية، وهذا يعني بأن الاحتمال الأقوى هو ان تعود إسرائيل لحالة الشلل السياسي التي كانت عليها خلال أعوام 2019_2021، اي حالة التعادل بين المعسكرين، المؤيد لنتياهو والمناوئ له، وهذا يعني انعكاس الحالة، اي انه حيث كان من شأن حالة التعادل، خلال السنوات الماضية ان ابقت على نتنياهو رئيسا للوزراء ولو بصفة تصريف الأعمال، فإن من شأن حالة التعادل في الانتخابات القادمة أن تبقي على يائير لابيد الذي سيتولى منصب رئاسة الحكومة ولو بصفة تصريف الأعمال فور تصويت الكنيست بالقراءة الثالثة على مشروع قرار حل نفسها.
أي ان نتنياهو لم يعد للحكم بعد، وإسقاط حكومة الائتلاف  التي أسقطته لا يعني تلقائياً بأن عودته للمنصب الأول قد باتت مسألة وقت، وعليه أولاً ان ينجح في البقاء رئيساً لليكود وتجاوز بعض منافسيه على المنصب الحزبي، ومنهم يولي إدلشتاين، لذا فهو من أجل تجاوز هذه العقبة مبكراً أعلن بأنه ينوي ان تكون هذه المرة هي الأخيرة له بالسعي لرئاسة الحكومة، ومن الواضح بأنه قد نسب الفضل في سقوط حكومة بينيت له شخصياً، مع ان الأمر لم يكن كذلك، بل ان الذي اسقط الحكومة هو انها استندت الى الخصومة مع نتنياهو شخصياً، وتجاهلت تناقضاتها الداخلية بسبب التباينات الأيديولوجية والسياسية بين أحزابها الثمانية.  
مع ذلك فإن فرصة الليكود وحلفاءه، حتى بشكلهم الحالي، أي دون ان يجري السعي قبل الانتخابات لتشكيل تحالفات اخرى، وفق استطلاعات الرأي التي تمنح تحالف المعارضة 60 صوتاً، هي الأوفر، كما يمكنه ان يحاول ان يحقق الأغلبية ولو البسيطة خلال الأشهر القادمة، وهذا أيضا سيكون نفس مسعى أحزاب الحكومة الحالية التي ستصبح حكومة تصريف أعمال، خاصة حزب رئيس الحكومة البديل، أي يائير لابيد، والى حين إجراء الانتخابات وإعلان نتائجها كل شيء وارد، ثم بناء على نتائجها، يمكن ان تجري مداولات من مثل تلك التي جرت في الانتخابات السابقة التي جرت العام الماضي، حيث نجح لابيد الذي كلف بتشكيل الحكومة بعد فشل المكلف الأول نتنياهو في جذب حزب يمينا، الذي كان حليفاً لليكود ونتنياهو أصلاً الى صفه، وحقق الأغلبية وبالتالي شكل الحكومة البديلة.
أي انه ليس أمام لابيد وحلفائه الحاليين سوى تحقيق الأغلبية، او التعادل في أسوأ الأحوال للبقاء في الحكم، ولو بصفة حكومة تصريف اعمال، ذلك انه من شبه المستحيل ان تضيف أحزاب الائتلاف الحالي إليها أياً من الأحزاب الدينية ولا حزب الصهيونية الدينية، فيما يمكن لليكود حتى وإن لم يحقق الأغلبية مع حلفائه الحاليين ان يذهب الى خيار تشكيل حكومة يمين صرفة، اي بدون الأحزاب الدينية والوسطية، بعد ان خرج اليسار بحزب ميرتس وحتى العمل، هذا لو اعتبرناه ما زال حزباً لليسار، من معادلة تداول الحكم في إسرائيل.  
كل هذا يمكن متابعته مع ان هناك وقتاً طويلاً، حيث يمكن لأحداث اقليمية ان تقلب طاولة اسرائيل الحزبية لو وقعت بهذا الاتجاه او ذاك، ومن الطبيعي ان يفكر الإسرائيليون بالجبهة الفلسطينية أولاً لكسب اصوات الناخبين، لكن بوجود لابيد رئيساً للحكومة، ربما يكون التقدير بأن تشن اسرائيل حرباً على غزة، او ان تطلق حرب التهويد على القدس او حرب الاستيطان، ربما يكون أقل من لو ان بينيت هو الذي بقي رئيساً للحكومة، وعلى الأغلب ان يسعى لابيد، الذي سيكون رأس الحربة الصريح ضد نتنياهو، للدعم الأميركي لتعزيز حظوظه بالبقاء رئيساً للحكومة بعد الانتخابات، وهذا ربما كان مبعث إعلان البيت الأبيض بأن الرئيس جو بايدن سيلتقي الشهر المقبل في زيارته للمنطقة لابيد وليس بينيت، حتى قبل أن يعلن الرجلان خيارهما بحل الكنسيت.  
لكن هل سينجح بايدن في منح لابيد فرصة البقاء في المنصب الأول، وهو الغريق الذي يحتاج من يدعم بقاءه في البيت الأبيض، ربما يكون بمقدور واشنطن ان تدعم حظوظ لابيد، من خلال دفع التطبيع مع السعودية، ومن خلال تجميد مفاوضات الملف الإيراني، او من خلال تقدم ما باتجاه تحقيق اتفاقيات اقتصادية عبر مشاركة إسرائيل في تصدير الغاز لأوروبا، وربما يكون الأهم هو أن يجد لابيد بديلاً عن حزب يمينا بالذات، الذي كان بانسحاب نوابه من الائتلاف السبب في سقوط الحكومة، نعني عيديت سيلمان ونير أورباخ، ثم ان يجد طريقة ما لدعم عربي من خارج الحكومة، وهكذا تبدو المعادلة معقدة للغاية، واقرب ما تكون الى العودة لحالة الشلل التي كانت عليها إسرائيل من قبل، اي عدم القدرة على تشكيل حكومة مستقرة.   
هذا في حالة استمرار الواقع المحيط بإسرائيل على حاله، أما اذا وقع حدث ليس في الحسبان، على الجبهة الفلسطينية، كما حدث بانتفاضة العام 1987، والتي فتحت الباب لوضع حد لحكم اليمين الذي حكم قبل ذلك بشكل متواصل عبر مناحيم بيغن واسحق شامير، فإن التقدير كله سيختلف، بما يعني بأن إسرائيل تبدو كدولة «مركبة بشكل اصطناعي»، اي غير قابلة للعيش بمفردها، دون تأثير إيجابي او سلبي من الخارج، ولعل الخارج الفلسطيني، والذي هو في جزء منه داخلي أيضا، يكون هو العنصر الحاسم، ليس في الترتيب قريب المدى، ولكن بالمعنى الإستراتيجي للكلمة، فمستقبل وطبيعة إسرائيل منوطان بفاعلية الحالة الفلسطينية، مهما حققت إسرائيل من تطبيع وانتشار في المنطقة والعالم.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز