فاطمة..!

  • الأحد 2013-08-25 - الساعة 09:43

أن يموت الملاك دهسا وفي ثالث أيام العيد في شوارع طولكرم وتتحول الدنيا من الأبيض إلى الأسود ، هو سؤال الفاجعة الانساينة التي داهمتنا بسقوط الطفلة فاطمة ابنة الأحد عشر عاما وهي تستعد بلباسها الجميل لزيارة والدها الاسير يحيى حمارشة المحكوم أربعة وعشرون عاما.

في المسافة بين الحلم والواقع يجلس يحيى على شبك الزيارة ينتظر ان يرى طفلته ( امورة الحارة) كما يطلق عليها الأهالي في مخيم نور شمس، وقد احضر معه الشكولاتة والبسكويت كعادة الأسرى لإعطائها لابنته الصغيرة التي لم يرها طيلة شهر رمضان المبارك لأنها كانت صائمة.

لم تصل فاطمة ... رحلت قبل يوم من زيارة والدها، تلطخ فستان العيد بالدم والتراب والصراخ، صعدت ابتسامتها وبهجتها ومرحها كروحها إلى السماء عالية عالية، طيرا مذبوحا يرفرف، ويضرب بجناحيه طبقات الهواء، كأنه يتمنى ان يتأخر الموت، ويتأجل الرحيل وأن يكتمل الغناء.

فاطمة رحلت، الطفلة الحلوة التي أشغلت أهل البيت لانتقاء أجمل فستان وأحلى تسريحة شعر ليراها أبيها كعروسة يوم الزيارة في السجن، انهمكت في ترتيب صوتها وجمالها وطفولتها وأمنياتها وكلماتها الصغيرة التي ستقولها له، وأسئلتها البريئة عن غيابه الطويل وعدم عودته إلى البيت حتى الآن.

فاطمة رحلت ... مداهمة ككل المداهمات الإنسانية للأسير وعائلته، لخطواته العائدات والقريبات ، لخربشاته وقصائده ورسائله إلى أولاده الذين كبروا ويكبروا، يحملون صورته في كل مكان، يعلقونها على جدران البيت حتى يراها الجميع، ويعرفوا ان هناك معذبين ومقموعين و مسحوقين يصارعون الجحيم في السجون من اجل الحرية والبيت الآمن والضحكة الخالية من الغصة والنقصان.

فاطمة رحلت... الحياة توقفت في أزقة المخيم كما هي متوقفة في السجون ، هرع الناس يستجوبون القدر، ويستجوبون المصير المؤلم، حائرون ماذا يقولون لوالدها المنتظر، وكيف يشفونه من جروح الصلب الطويل في السجون بعد كانت فاطمة رسوله وأمله وحكايته التي تضيء أيامه في الزنازين والظلام.

فاطمة التي زفتها شوارع وحجارة المخيم وبيوته المكتظة، كانت تعتقد أن والدها سيفرج عنه مع الأسرى الذين حرروا مؤخرا، وقفت تسمع وتتنصت لعل هناك خبرا آخر يبشرها بعودة أبيها، يجنبها السفر منذ طلوع الفجر حتى منتصف الليل إلى سجن ريمون، يريح والدتها وجدتها ويختصر رحلة العذاب.

فاطمة رحلت، لم تصل صورها الجميلة إلى والدها، انحنت الأشجار واكفهرت السماء، جنازة ملاك تسير في شوارع صامتة، صوت صراخ في مقلتين معلقتين على باب حديدي قد تجمد، نافذة صغيرة مسيجة بأربعة طبقات من الشبك تمنع ظلال فاطمة من الدخول، لم يدر الناس والمودعين أن الوقت نهار أم ليل، وهل هم في جنازة قمر مخسوف أم شمس تتوارى بثوب الحداد.

رحلت فاطمة وولد مهند ابن الاسير عمار الزبن، هي جدلية الفلسطيني في محاورة الأبدية، و قد تكون أسطورة متجددة للولادة على ارض الأنبياء، وقد تكون هي رسالة الحياة لمن يجففونها بالسجن والمستوطنات واقتلاع النطفة والعلقة والشجرة، وان كنا الآن في طريق الجنازة فإننا أيضا في الطريق إلى الحرية.

فاطمة رحلت ..غابت الحياة التي نفخنا فيها طويلا من أعمارنا ودمائنا لتصير لنا مكتملة، لكنها ظلت فكرة تشبه الجمرة تتقد وتكبر وتشتعل، تضيء شمعه في الذاكرة، وشاهدا على قبر مغطى بالورود، أصابع فاطمة تشير الينا ، ووجها يغطى مساحات الكون، يراها أبوها تلعب في باحة المدرسة، تحفظ جدول الحساب ونشيد السلام الوطني ويسمعها الجميع تبشر بصيف آخر يعود فيها أبيها من السجن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز