عن نسَّاجٍ مُحتالْ ومَلِكٍ عارٍ

  • الأحد 2013-09-01 - الساعة 16:26
قيل أن مَلِكاً قَصَدَ خياطاً ليخيط له بَدْلَة من قطعة قماشٍ نفيسَهْ، تلقاها من أحد الأثرياء المنافقين لمصالح وأهداف خَسيسَهْ، فَدُهِشَ الملِك حين أجابه الخياط بأن قطعة القماش لا يمكن أن تكفي لخياطة بدلة لهُ ولا حتى بنطلون. فذهب الملك الى خياط آخَر وَعَرَضَ عليْه قطة القماش وسأله ما إذا كانت تكفي لخياطة بدلَة، فكانت المفاجأة أن الخَيّاَط أجابه على الفور قائلاً: طبعاً يا سيدي ممكن أخَيِّط لَك منها بَدلِة وبَدلِة ثانيِة للمحروس سمو الأمير وبنطلونين زيادة عشان تْبَدّل فيهم.
الملك: معقول انتِ مِتْأكِّدْ ؟!!
الخياط: شُو اللِّي مِتْأكِّد ؟! مَعلوم مِتأكّد وبيْظَل منها كمان شَقفِة كبيرِة بْنِعمل منها طقم لجلالة الملكة.
الملك: معقول كيف هيكْ؟! في خياط عَرضتها عَلِيْه قَبلَك وقال لي إنُّو مستحيل تْكَفِّي حتى لَبَدْلِة واحدة.
طلب الخياط من الملِك الأمان قبل أن يعطيه الإجابَة على التساؤل، وكان له ذلك.
 
الخياط: والله يا سيدي بيجوز الخياط اللي حكالَك ما بِتْكَفِّي يْكون شايْفَك بِنَظَروا إشي كبير قَدِّ الدنيا، يعني شَغْلِة كْبيرِة، لكن أنا عَلَيِّ الطلاق مانِي شايْلَك مِن أرْضَكْ، وشايفَك ما بْتيجي قَد خُرُم إبْرِه وما بِتْساوي نِجْلِه بأيام الغَلَا( طبعاً يا عمي مِش بِتقولوا المَرء بِعَيْنِ ناظِرِهْ، ياما ناس نافخين حالهُم وشايفين حالْهُم على عباد الله وْمِشِ مْصَدْقين، وِمْحَملين الله جْمِيْلِه إنْهُم عايشين، اللهم احفظنا وعافينا من كل السفهاءْ، أمثال هؤلاءْ). 
 
طبعاً الملِك تْفاجأ من وقاحِة الخيَّاط لكنُّه تْذَكَّر إنو أعطاه الأمان، إلاَّ أن الخيَّاط استَدرك قائلاً: أنا مش خياط بَس وْنَسَّاج على كِيف كِيفَكْ، بَقْدَر أنْسِجلَك شَقفِةِ قْماش واعمل لك منها طَقِمْ ما لِبِسْ مِثْلو حَدَا عل وَجْهِ الأرْضْ، وَلَا إبِن مَرَهْ، بَسْ هذا الطقم قماشو كثيرغالي، وما بِلْبِس مِنُّو غير الملوك وأصحاب المقام الْعالي، مِش اللي دايْرين عالتَّصفِيات وِالْمُسْتَعمَل وِدْلَالِهْ اللي بْنَظَرْكُوا زْبالِه حِيْشِا اللي قْبالِي، وأهم ما يميز هذه الملابس أن الأغبياء لا يستطيعون أن يَرُوها. المهم استطاع النسَّاج المحْتال أن يَلْعَب بعَقْلِ المَلِك ويُقنِعهُ بأن يصنع لَهُ هذه الثياب العجيبَة.
 
تم الإعلان رسمياً وعلى الملأ عن مشروع ثياب الملك الجديدة ( طبعاً بما في ذلك الجهات الممولة للمشروع ورواتب الخبراء الأجانب، والخبراء المحليين، ونسبة العمالة المحلية من العمالة الأجنبية...الخ ما خَفاكُوا الحالْ) وعن موعد استلام الملك لملابسِه التي لم يُنْسَج مثلها في البلادْ، في الوقت والتاريخ ومكان الميعادْ.
 
أمر الملك أركان الدولة وكبار الشخصيات والسادة التابعين، للتجمع أمام القصر الملكي لحضور مراسِم ارتداء الملك لثيابه النادرة بِلا إِحِم وَلا جِيمٍ وَلا سِينْ، والتعبير عن فرحهم بهذا الحَدَث التاريخي المُبِيْنْ.
 
عينْكُم تْشوفْ الخياط وْهُو واقف على المَنَصَّة بْيِتْنَطْوَطْ مِثْلِ الشَّوَطْوَطْ، وسط حُشود الحاشية وكبار رجال الدولة والمسؤولين، وْقاعِدِ بْيِخْلَع عن المَلِك ملابسهُ القديمة وِيْلَبْسُه مكانها الثياب المصنوعة من قماشٍ مزعومٍ وهْمِيّْ لا يَستطيع أن يراه سِوى الأغبياءْ، بحركات توحي وكأنه يقوم فعلاً بتلبيس الملك الثياب الجديدة قطعة قطعة بعدما خلع عنه ثيابه قطعة قطعة، وَبدا كبير المستشارينْ مذهولاً من هول ما يرى جاحِظَ العَيْنَيْنْ، ولا يكاد يصدق هل هو بِحِلْمٍ أم بِعِلْمٍ يا تُرى، حيث بات يرى الملك عارياً مَلْط ربي كما خَلَقْتَنِي. لكن وكما هي عادة المتملِّقين والمنافقين الذين يمسحون الجوخ ويزينون الأشياء لرؤسائهم، فينكرون الحقائق وإن فَقَأت عيونهم، ويُبَيِّضون طَناجِر على قَفا زملائهِم وأصدقائهم أمام الولاة وأولي الأمر، وبالتالي لم ينطق بحقيقة ما يرى، خشيةَ أن يُقال عنهُ غبي ويُغْضِب الملك، لا بل على العَكس أخذ يكيل المديح والثناء للنساَّج على مهارته وإتقانِه لتصاميم الثياب العجيبَة، وتداخلَت أصوات المحتشدين من مختلف المستويات والمراتب وهم يعبرون عن سعادتهم وغِبْطَتِهِم بِلِباسِ الملكِ اللامِعْ، والحُلَّة الجديدَة التى بَدى بها الملك بهذا اليوم الاستثنائي الرائع( ويا عيني شو في مسؤولين في مؤسساتهُم ومواقعهم عُراة تماماً ويعتقدون أنهم غير ذلك بفضل النفاق والمنافقين، ويا عيني شو في موظفين بينافقوا لمسؤولينْهُم وبيقلِبولْهمْ الأسود أبيض وبمارسوا كل أنواع النفاق والخنوع تحت شِعار" بِدْنا نْعيشْ" و "ارْبُط لِحمار مطرَح ما بِيْقول صاحْبُو" أو " هِيْ وَقَّفَتْ عَلَيّْ" أو "بِدنا انْدَبِّر حالْنا زَيّْ هالناس"...الخ) 
 
علشان هيكْ صار بغزة 800 مليونير وْبتْلاقي موظفين بيشْتِغلوا أكثر من شَغلِه خاصة غير راتب الحكومي وبيجوز يكون بيشتغِل أو شْرِيْك مع مسؤولُه بالمؤسسة الرسمية، قَسَماً بالله أحياناً بيجي شَخص عندي في الشغل وِبْيِقعُد ساعتين يِجْرُش في راسي مواعظ ويتلو مَزامير في مكارم الأخلاق وانتقاد الفساد والمحسوبية وشتم الفاسدين وْفي الآخِر بْيِختِم كلامُه في مديحي كرجل مستقيم على حد قوله بالقول: يعني أنا جاي وعَشَمي فيك كبير بِدي اتْدَبِّرلي هالولد بْوظيفِة.
 
بدا الملك في حيرة من أمرِه وهو يرى الخياط يخلع عنه ملابسه ويُلبِسه بدلاً منها دون أن يرى ثياباً ملموسَة تستُر عُريَهُ الفاضِح، وقال في نفسه وهو يستمع لمديحهم وثنائهم على جمال وإتقان الملابس الجديدة وروعة مظهرها: هل من المعقول أنني الغبي الوحيد بينهم الذي لا يرى الملابس، وكلهم يرونها ؟!
 
ثم التفت الملك الى كبير المستشارين وهو يستدير أمامَهُ بحركة استعراضية بَلْهاء: ما رأيك يا جناب المستشار بهذا اللباس الرائع ؟؟
المستشار: هالله هالله يا مولاي، مِش معقول هذا الإتقان وهذه الروعة، حقاً إن هذا النساج عَبْقَري يستحق مكافأة كبرى على هذا العمل الإبداعي، وأنا أقترح أن يتم تكريم هذا النساج المبدع أمام كل الجماهير المحتشدة خارج القصر، ونجعل من هذه المناسبة عيداً وطنياً نحتَفل به في كل عام( طبعاً هي وقَّفَت على النسَّاج ؟ طَب مهو 9و99% دوري من اللي بْيوخدوا الجوائزوِالمكافئات غالباً ما بيكون ذلك زوراً وبُهتاناً وبدون وجه حق وعلى لا شيء، اوسرقة لِتَعَب وإنجازات المبدعين الحقيقيين الذين طَمَسَتْهُم الفسائِدِيَّة واللصوص المجتمعيَّة، يعني ما بْتِسْمَع إلاَّ فْلان فاز بجائزة أحسَن إيشْ في مجال مِشْ عارف إيْشْ واحنا مش عارفين عَنو لا بِيْشْ ولا لِيْشْ عَلِيْشْ، وبعدين خلينا نزيد عيد على هالأعياد الوطنية اللي على قفا مين يْشيْل، عالأقل منشان يصير شْوَيِّة توازن بين مناسبات الفَرَح ومناسبات النَّكَد، بَلكي نْخَفف على الناس من بلاوي المظاهرات والإضرابات اللي لما بيزعَلوا الشباب وْبِيْروحوا مْسَكْرين البلد والمحلات التجاريهْ، وِبْطريقهُم بِيكَسْروا الصرافات الآليِّة اللي بْتِخْدِمهُم وِالشَّارات الضوئيِّهْ، قُلنالْكُم مِن الأولْ ما فيش فايدِه غَطِّيني وْصَوّْتِي عَلَيِّي يا صَفِيِّهْ).
 
هذه المكابرة والنفاق السلطوي، جعل الجميع موحدين في موقف واحد، وهو الصمت على عُرْيِ الملك، والإصرار على أن الملابس الجديدة هي إبداع وطني لم يسبق له مثيل ويجب تكريم وتقدير من أنجزها.
 
وبينما كان الملك يستعرض بثيابه الوهمية التي لا يراها سوى الأغبياءْ، ويوزع الابتسامات على الجمهور يميناً ويسارً، أجهش أحد مستشاريه لِمعوهْرينْ وْباردِين الْوِجِي بالبكاء فرحاً وقامَ من فَوْرِهِ نحو الملك يُلَمْلِم ويُشَمْشِم له أطراف عباءته ويتحسسها وهو يصرُخْ بِعِلوِ صوته: يا إلهي ما أبدع هذه الثياب المعجزة إنها لا تليق إلاَّ بك يا مولاي، وتعالت أصوات المديح والتهليل والتطبيلْ وخطابات النفاق والرياء وهَزِّ الذَّنَبِ الطويلْ، يعني إشي بِخْزِي بِدون تفسير ولا تأويلْ.
 
وأخيراً فُتِحَت أبواب ساحة القصر، أمام الناس المحتشدين منذ الصباح الباكر لرؤيَةِ الملك بثيابِهِ الذكية العجيبة، وما أن رأو الملك مْزَلْبَط بْزِكّْ رَبُّو عارياً من كل شيء، حتى انتابتهم لحظة وُجُومٍ وصمتْ لثوانٍ معدودة، ثم انفجروا جميعاً وتعالت الأصوات من كل جانب: مش معقول، شيء مُذهِل لا يُصَدق، يا للروعة والجمال، يا للثياب المعجزة، أي نسَّاج فنان هذا الذي حاكها وخاطها، ما أروعك يا سيدي بطلعتكَ البَهية، روحنا فداك يا مولاي. وعلت الزغاريد والأناشيد الوطنية، من عالرَّباعِيِّة لَلنَبَطِيِّه وِلْهَبَّارِيِّة، إلى هنيِّة وْرابْعَة العَدَوِيِّة وْعَسَّاف وْعَالِّلي الكوفِيَّة، شو بِدْكُو بالحَكي غَطيني وْقِدِّي الثُّوب عَلَيِّي يا صفِيِّة.
 
سار المليك بعربته المكشوفة وعيونه المكسوفَة، بكل سوءٍ وعُرْيٍ وافتضاح، وهو يلَوح بيده للناس موزعاً ابتساماتهِ البلهاء، وهم ينثرون الورود وسط الزغاريد والأهازيج والدبكات الشعبية، وأخذ الناس ممن طَقَتْ خَواصِرُهُم من الضحك يتزاحمون على الاقتراب من العربة وهم يُحَمْلِقون في مؤخِرته العارية للتأكد من حقيقة ما يشاهدونه من العُرْيِ العجيبْ، مصحوباً بعبارات التبجيل والثناء على الملك وحُلَّته في الوضعِ المُرِيبْ، والقهقهات تتوارد من كل حَدبٍ وصَوبْ. بصراحة وكأني بمرسي وأمثالِهِ من الحُكامِ يقف عارياً في العَرَبَة كَمَن تاهْ، بفضلِ الجهالة والغباءْ وإخوانهِ اللامسلمين العُراهْ، وما أكثرَ التعري وأوراق التوت الساقطات من المحاشِمِ عَلى الجِباهْ، فلكل امريءٍ ما نوى ولكلِّ ظالمٍ قَضاهْ،والمجرمين الْجاثِمِينَ على العروشِ يَلْعَنُهُم ألله بْسَماهْ.
 
فجأةً يظهر من بين الحشْد طفلٌ لم يتعدى العاشرة من عُمره، كان قد صعَد الى قمة إحدى شجرات السَّرو العالية المحيطة بساحات القصر وشَهِد موكب الملك وما جرى من أوله، وبرغم تَشَكُّكِهِ بما رأى إلاَّ أنه لم يتحَمَّلَ هذا النفاق والرئاء والمُداهَنَة للملك تجاه حقيقة أمرِهِ المُرَّة العارية، وصاح بصوت من كَحِف راسو هز أركان الناس جميعاً قائلاً : أيها المنافقون الكذابون بْنِسوانكُمْ وِرجالْكُمْ، وَلْكُم المَلِك عاري مِش شايفينوا شالِحْ مَلْط وِنْتُوا وَلا عَبالكُمْ، مِشْ لابِس ولا إشي الزَّلَمِه يا بَجَمْ أسْتُروا عليه الله لا يْوَفِّقْكُمْ، يِفضَح عَرضكُم وْيِنْفَع لِكلاب وِيْضُرْكُمْ، وْخَرُورَة تْخُرّْكُمْ وِكْلابِ اتْجُرْكُمْ، لقد وضَعتُم اليومَ قُروناً في جِباهِكُمْ، والخَوازيقَ راتِعَةً في إسْتِكُمْ، وارتضيتم العُرْيَ والفضيحة لأنفسكُمْ، وأنتم تقتلون الحقيقة بِتَعْريَةِ مَليكُكُم أمام الناس بِجَهْلِكُم وَنِفاقِكُمْ، متناسين أن هذا العُرْيِ المَلَكِي الفاضح هو في الحقيقة عُريُكُمْ، قبل أن يكون عُرياً لَهُ في مَهْزَلَةِ تآمُركُمْ، تْفُووو عليكُمْ وْعَلى شَرَفْكُمْ إذا ظايِل شَرَف عِنْدكُم( يعني قِلِّتْ ناس عِندنا بْيوخذوا مواقف كيدية أو عدائية ضد حتى أقرب الناس إلهُم وبيكون حالهم حال اللي فَرْحان بْعَزا أبوه). 
 
فانْفَضَّ الحاضرون يتدافَعون ويُقَهْقِهُونْ، والريح تُداعِبُ مَفاتِن الملِكِ المَغْبونْ، من قِبَلِ المنافقين والنصابين ممن نكثوا العهود والوعود وظَنُّوا بالله الظُّنونْ، بينما ظلَّ الملك عارٍ يَدور حول نَفسِهِ كالمجنونْ. بعد أن اختلطَ الحابِلِ بالنابِلْ، فلا سوريا قادرة على إرسالِ رَدعٍ كما في أمْسِها الآفِلْ، ولا مصر بِحالِها تلَمْلِمُ جراحاً من الخارجِ والداخِلْ، يعني اللي صار زِناً في المَحارِم وِفْضيحَة مْطَنْطَنِه بْجَلاجِلْ.
 
يا جماعة الأدهى والأمَرُّ من كل ذلك، أن جميع أفراد الحاشية وجمهور الحاضرين بلا استثناء بما في ذلك الملك، كان كل واحد منهم يقول في نفسهِ: وَلَو يا ربي شو اللي عْمِلتو أنا حتى أكون أنا الغَبِي الوحيد الذي لا يرى هذه الثياب العجيبَة كَباقي الناس ؟!! بالله عليكُم في أجحَش من هيك ناسْ ؟!
 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز